إشكاليات الإعلام الإسلامي المعاصرو النظام العالمي
أولاً : إشكالية البث المباشر والغزو الثقافي
ويرتبط بقضية التكنولوجيا قضية أخرى فرضت نفسها على الساحة الإعلامية، وهي إشكالية البث المباشر عبر الأقمار الصناعية، لكي تشكل غزوًا جديدًا لن تفلح الرقابة والمنع في مواجهته.
ومع بدء الاستخدام المكثف للأقمار الصناعية، حاول المجتمع الدولي وضع ضوابط لمنع الاستخدام غير الرشيد للتوابع الصناعية، إلا أن الاستخدام الفوضوي للفضاء الخارجي ما يزال مستمرًا، مما يزيد من هيمنة الدول المتقدمة على وسائل الاتصال الدولية، ومراكز المعلومات، ووكالات الأنباء، وأجهزة صناعة الفكر في العالم.
ويرجع ذلك إلى تمسك الدول المتقدمة بقواعد وضعت في عهد الاستعمار تنص على ما يُسمى بالحق المكتسب، أي حق كل دولة في الاحتفاظ بالترددات التي حصلت عليها من قبل، حتى ولو كانت من حق دولة أخرى، مما يرسِّخ تبعيتها الإعلامية للعالم الغربي، لا سيما وقد تم توزيع ترددات الطيف الكهرومغناطيسي في اتفاقات دولية أبرمت في غيبة معظم الدول الإسلامية، التي لم يترك لها إلا الفتات الذي لا يمكن أن يشبع احتياجاتهــا الإعلاميــة، لا من حيث تغطيـــة ترابهــا الوطني، فضلاً عما يمثله ذلك من إجحاف لطرق استغلال الفضاء الجوي، وبهذا تصبح الدول الإسلامية والعربية هدفًا سهلاً للغزو الثقافي.
وستؤثر البرامج التي تحمل الأفكار والعقائد الفاسدة -دون شك- على نفسية الجماهير وشخصياتهم من خلال انتشار المفاهيم الاجتماعية والسلوكية الغريبة، وسيكون هذا التأثير كبيرًا على الأطفال والصبية في مراحل الطفولة الأولى، لأن تعرّض أطفالنا إلى سيل لا ينقطع من مشاهد العنف والجنس والجريمة، إضافة إلى العقائد الفاسدة والأفكار المنحرفة التي تحملها رسائل البث المباشر، سوف يترك بصماته على سلوك أبناء المسلمين، سواء رَضُوا ذلك أو لم يَرْضَوا به، وقد يدفعهم ذلك إلى التصرفات غير المسؤولة والأعمال العدوانية بفعل غريزة التقليد والمحاكاة.
ومن أبرز أخطار البث المباشر، تأثيره على أخلاقيات وسلوكيات الجماهير في الدول الإسلامية المستقبلة له، وإثارة الطموحات الاستهلاكية لدى مواطنيها، وهي طموحات يصعب إشباعها في ضوء الموارد المتاحة.. كما أن هذا البث من شأنه أن يزيد الخلل القائم في تدفق المعلومات بين الدول التي تملك والدول التي لا تملك، والتي يقتصر دورها على التلقي مع عدم القدرة على إيصال ما لديها إلى الآخرين، إضافة إلى تهديد هويتها الدينية والثقافية.
وفي الحقيقة، أن مواجهة الغزو الثقافي لن يكتب لها النجاح إلا من خلال تحصين الجماهير ضد هذا الغزو، وإصلاح أجهزة الإعلام في العالم الإسلامي، لتكون في الوضع الذي يمكّنها من الوقوف في مواجهة عمليات الإبهار والجذب الشديد الذي تمارسه قنوات البث الفضائية الأجنبية، بكل ما تملك من تقنيات عالية وتكنولوجيا متقدمة.
ثانياً: إشكالية الاختلال الإعلامي وانعدام التوازن في تدفق المعلومات
وتكمن هذه الإشكالية في ظاهرة انعدام العدالة في تبادل المعلومات بين الدول الكبرى غير الإسلامية والدول الإسلامية، عن طريق هيمنتها على وكالات الأنباء ووكالات الإعلان، حتى أصبحت عملية الإعلان في الصحف والمجلات والتلفزيون والإذاعة وعملية التمويل للأجهزة الفنية، بمثابة أساليب للسيطرة الثقافية، وكثيرًا ما تسيء هذه العملية إلى ثقافة البلد المستقبل وتشوه تاريخه وحضارته.
إنه من المؤسف حقًا أن نظام الإعلام العالمي الحالي -بل وحتى المستقبلي القريب- يتسم باختلال ظاهر، بسبب عدم التوازن الذي فرضته الدول الكبرى على عملية تبادل المعلومات، حتى أصبحت معظم البلاد النامية -وبصورة خاصة في عالمنا الإسلامي- مجرد بلاد مستهلكة للمعلومات التي تصدر إليها.
ولعل الصورة تكون أشد خطورة،وهنا تبرز المشكلة بصورة واضحة، لأن الدول المتقدمة حصلت على نصيب الأسد في مجال توزيع الذبذبات، وعمدت إلى ترسيخ هذا الحق عن طريق مادة تنص في نظام الإذاعات على بقاء المصالح المكتسبة.
ولهذا وقعت الدول الإسلامية في ورطة وأخذت تعاني من معضلات حقيقية وهي تبني محطاتها الإذاعية الجديدة، لأن جميع الذبذبات محتكرة، ولن تستطيع هذه الدول الحصول إلا على ذبذبات رديئة لا تفي حتى بالحد الأدنى اللازم لبث إذاعي جيد، وتمكنت الدول الكبرى أن تسيطر على الفضاء الوطني لهذه البلاد، وتحرمها من حقها في الانتشار داخل مجموعتها القومية، أو السياسية، فضلاً عن الانتشار في العالم، حيث سارعت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة إلى احتلال المواقع الرئيسة في المدار الثابت الحالي، مما أثار قلق الدول الإسلامية التي تكافح كي تجد لها مكانًا مناسبًا في الفضاء(1).
في ضوء هذا المناخ المفتقد للعدالة في نظم الاتصال العالمية، فإن الخطط الدعوية والإعلامية التي تحمل رسالة الحق والعدل بين البشر، وتتوجه إلى الفكر الواعي في الإنسان، وتنشر السلام والمحبة بين الناس، تنزوي وتتوارى، مفتقدة الإمكانات المادية والوسائل التقنية الحديثة، والكوادر البشرية المؤهلة والقادرة على حمل رسالة الحق ونشرها في مشارق الأرض ومغاربها، مما يصبح -معه- من الصعب إبلاغ الناس بتلك الرسالة الخالدة التي حملها إليهم رسل الله جميعًا.
وفي ظل هذا الاختلال الظالم فإن الدول الإسلامية مطالبة بإيجاد حل لمشكلاتها الإعلامية، من خلال بذل الجهود الجادة والمخلصة للتغلب على هذه الهيمنة وهذا الاختلال الإعلامي، وتضع نصب عينيها الاستفادة من المستجدات العلمية ومعطيات العصر، وتضع خططها على قواعدعلمية وأسس منهجية، وتعتمد على الطاقات البشرية المؤمنة، والقادرة على استخدام الوسائل المناسبة في الوقت المناسب، وفي الظرف الاتصالي المناسب، للشرائح الجماهيرية المختلفة.
ثالثاً: إشكالية العلمانية والتغريب في العالم الإسلامي
أفرزت الساحة العربية الإسلامية المعاصرة عددًا من الذين تعلّموا في الخارج، وانبهروا بالنمط الغربي في أسلوب العمل والحياة، وبدلاً من أن يعملوا على مساعدة بلادهم وتحديث الحياة فيها، وينهضوا بالمجتمعات التي علمتهم وأنفقت عليهم، وتحملت من أجلهم الكثير، ويردوا الدين للأيادي التي ساعدتهم والقلوب التي آزرتهم، نراهم وقد تملّكهم الغرور، وارتدوا قبعات الغرب، ولبسوا أقنعته، وتعالوا على أهلهم وذويهم الذين ضحوا من أجلهم، وحرموا أنفسهم ليتيحوا لهم فرص التعليم والترقي.
ولم يكتف هؤلاء بالتعالي والصلف والغرور، بل سوّلت لهم أنفسهم التطاول على ثوابت العقيدة، وراحوا ينادون بتطويرها كي تتوافق مع متغيرات العصر، ويسخرون من المؤمنين الذين يعملون في صمت العابدين، ويعبدون الله بجهد العاملين، لا ذنب لهم إلا أنهم تحملوا هموم أوطانهم، وتسلط مترفيهم، وظلم جلاديهم.
فهذا يطالب بتطوير العلاقة بين الشاب والفتاة لتكون علاقة متحضرة، كحضارة الأمم القوية، وإبطال العمل بأحكام الدين، كتعدد الزوجات وارتداء الحجاب، بدعوى أنه يكفي ما عانته المرأة من ظلم الرجل المسلم سنوات طويلة، حتى حوّلها إلى دمية أو قطعة أثاث يضعها حيث يشاء.. وذاك يطالب بإباحة الخمور والفجور تماشيًا مع نمط الحرية التي يعيشها الإنسان في دول غزت الفضاء، وسيطرت على الكواكب، وقهرت الأرض والجبال، وأطلقت للإنسان حرية الخلق والابتكار.. وآخر يدافع عن المعاملات الربوية باعتبارها نظامًا عالميًا لا يمكن للشعوب أن تنهض بدونه، وإلا فإنها سوف تسقط في مستنقع الفقر والفاقة.
وهم يطالبون (بعصرنة ) الدين، وتهميش علومه في المناهج العلمية بالمدارس والمعاهد والجامعات، حتى تتحول هذه العل
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ